احمد احمد بدوي

39

من بلاغة القرآن

وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ( 75 ) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ( 76 ) ( النساء 75 ، 76 ) . واقرأ قوله سبحانه : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( فصلت 34 ) . فإنه عندما أمرنا أن ندفع بالحسنى ، أثار فينا تلك الرغبة في أن نجد بجوارنا الناصر والمعين نستكثر منهما ، حتى لينقلب العدو بتلك المعاملة ، كأنه صديق حميم . وعندما حثنا على الصدقة ، اتكأ على غريزة حب النفس ، تلك الغريزة التي تستكثر بمقدار ما تستطيع من الخير ، فأبان القرآن أن ما سنبذله من صدقة سوف يعود خيره علينا أضعافا مضاعفة ، قال سبحانه : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( البقرة 261 ) . واستمع إليه ينهى عن نسيان اللّه : فيذكرنا بعاقبة ذلك ، وأن اللّه سوف يصرف هؤلاء الناسين عن خيرهم فيفسقون ، ويصور لنا الفرق الشاسع بين أصحاب النار وأصحاب الجنة ، ويذكرنا بالفوز الذي يظفر به من لا ينسى اللّه ، قال سبحانه : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 19 ) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 ) ( الحشر 19 ، 20 ) . واقرأ هذه الابتهالات الرائعة التي يمزج فيها الخوف بالرجاء ، والتي انبعثت من قلوب آمنت وتأملت خلق السماء والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، إذ يقول سبحانه : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 192 ) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( 193 ) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 194 ) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ( 195 ) ( آل عمران 190 - 195 ) . أو لا ترى هذا الابتهال المؤثر جديرا بهذه الخاتمة السعيدة ، فقد استجاب لهم ربهم . والأحكام في القرآن تقترن بما يثير الوجدان ، حتى تقبل النفس على العمل بها راضية مغتبطة ، وخذ أشد الآيات توغلا في بيان هذه الأحكام ، مثل آية